التمرين 03

النص

تتشكّل حياة الإنسان اليومية من قرارات لا تتوقف، يستيقظ، يأكل، يتصرف، يشعر. ويعتقد في كل هذا أنه يختار. لكن هل الاختيار حقيقي، أم أن ثمة خيوطاً خفية تسحبه دون أن يرى؟

تتحكم في سلوك الإنسان ثلاث قوى لا يُفلت من قبضتها، جسده الذي يخضع لقوانين فيزيولوجية صارمة، وعقله الذي تشكّلت قناعاته ورغباته بفعل تجارب سابقة وتأثيرات لا وعي له بها، ومجتمعه الذي يفرض عليه قيوداً وقواعد تحدّ من نطاق حريته المزعومة. وما يُسمى إرادة حرة ليس في هذا السياق سوى نتاج للجهل المركب بتلك الشبكة المعقدة من العلل التي تحرّكه، فهو يعتقد أنه صاحب القرار لأنه لا يرى الخيوط التي تسحبه.

وحين يُقدم أحدهم على فعل إجرامي، يُطرح السؤال: هل اختار الشر حقاً، أم أن بيئته وتربيته وتركيبته الجينية بل وخللاً كيميائياً في دماغه دفعته دفعاً لا مفر منه؟ إن التسليم بوجود حتمية كونية شاملة يضعنا أمام حقيقة أن حتى أعمق تطلعاتنا وأسمى أهدافنا قد لا تكون سوى نتائج حتمية لسلسلة لا نهائية من الأسباب التي لا نتحكم فيها. في هذا المنظور يصبح التمايز بين الحر والمقيد مجرد وهم، وتتبخر فكرة أننا نملك سيطرة حقيقية على مصائرنا.¹

حلل النص وناقشه

مقترح التصحيح

أولاً، الفهم (04 نقط)

تحديد موضوع النص (01 ن)

يتناول النص موضوع الحرية والحتمية، هل يملك الإنسان إرادة حرة حقيقية تجعله سيد قراراته، أم أن سلوكه محكوم بسلسلة من العلل البيولوجية والنفسية والاجتماعية التي تُلغي أي اختيار حقيقي؟

صياغة المفارقة وإبراز الإشكال (02 ن)

تكمن المفارقة في أن الإنسان يشعر يومياً بأنه يختار ويقرر، لكن كل قراراته تصدر في الواقع عن علل سابقة لم يخترها، جينات لم يرثها بإرادته، وبيئة لم يختَرها، وتجارب شكّلت لا وعيه قبل أن يفكر. شعور بالحرية وواقع من الحتمية، في آنٍ واحد وبلا توفيق ظاهر. ومن هنا يبرز الإشكال: الحرية بين الإرادة والحتمية، هل الإرادة الحرة حقيقة إنسانية أم وهم يصنعه الجهل بالعلل الخفية؟

صياغة الأسئلة الموجهة (01 ن)

ما الإرادة الحرة؟ وما الحتمية الكونية؟ وما المسؤولية الأخلاقية؟ وهل يمكن رد كل سلوك إنساني إلى علل مسبقة تلغي الاختيار الحقيقي، أم أن الإنسان يمتلك هامشاً من الحرية يتجاوز فيه حتمياته؟

ثانياً، التحليل (05 نقط)

تحديد أطروحة النص وشرحها (02 ن)

تقوم الأطروحة على مبدأ حتمي شامل مفاده أن الإرادة الحرة وهم نابع من الجهل بالعلل الخفية التي تُحرك الإنسان، فكل فعل إنساني هو نتيجة حتمية لسلسلة لا نهائية من الأسباب البيولوجية والنفسية والاجتماعية التي لا يتحكم فيها. والشعور بالحرية ليس دليلاً على وجودها بل دليل على غياب الوعي بما يُحركنا فعلاً.

تحديد أفكار النص ومفاهيمه والعلاقات بينها (02 ن)

يتضمن النص ثلاثة مفاهيم متشابكة، الإرادة الحرة التي تُرفض كوهم نابع من الجهل، والحتمية الكونية الشاملة التي تُقدَّم أساساً لتفسير كل سلوك، والعلل الثلاث البيولوجية والنفسية والاجتماعية التي تُشكّل آليات هذه الحتمية. وتجمع هذه المفاهيم علاقة سببية شاملة، العلل تُنتج السلوك، والسلوك يُلغي الحرية، والحرية المزعومة لا تعدو أن تكون جهلاً بهذه العلل. ويتصاعد النص من السؤال اليومي إلى المثال الإجرامي ثم إلى الاستنتاج الكوني الشامل.

تحليل الحجاج المعتمد (01 ن)

يعتمد النص بنية حجاجية تصاعدية، يبدأ بزرع الشك عبر أسئلة مباشرة عن الأفعال اليومية، ثم يُصنّف القوى الحتمية في ثلاثة مستويات، ثم يستدل بمثال الفعل الإجرامي لدحض مفهوم المسؤولية القائم على الاختيار، وينتهي باستنتاج مطلق يُلغي التمايز بين الحر والمقيد.

ثالثاً، المناقشة (05 نقط)

إبراز قيمة الأطروحة وحدودها (03 ن)

تكمن قيمة هذه الأطروحة في قدرتها النقدية على كشف التفسيرات السطحية للسلوك الإنساني، والدعوة إلى البحث في الأسباب العميقة النفسية والعصبية والاجتماعية التي تحكمه. وهي في ذلك تتقاطع مع اسبينوزا الذي رأى أن الناس يتوهمون الحرية لأنهم يجهلون الأسباب التي تحركهم، وتفتح الباب أمام العلوم الإنسانية لفهم السلوك لا إدانته.

غير أن هذه الأطروحة تواجه اعتراضاً أخلاقياً وقانونياً جوهرياً، فإذا كان الإنسان محكوماً بحتمية شاملة، سقطت معها المسؤولية الأخلاقية والمحاسبة القانونية، وغدا العقاب ظلماً لا معنى له. فضلاً عن ذلك فإن تجربة الوعي الفوري بالاختيار بين بدائل، التي يعيشها كل إنسان في لحظات قراره، لا يستطيع النص تفسيرها بالجهل وحده.

فتح إمكانات أخرى للتفكير (02 ن)

في مقابل هذا الموقف الحتمي يرى سارتر أن الإنسان محكوم عليه بالحرية، فحتى حين يستسلم لدوافعه فهو يختار الاستسلام، وهذا الاختيار ذاته فعل حر يستتبع مسؤولية كاملة. ويمكن التوفيق بين الحتمية والحرية عبر موقف اسبينوزا ذاته الذي يرى أن الحرية الحقيقية ليست غياب الحتمية بل معرفتها، فمن يعرف العلل التي تحركه يستطيع التحكم فيها والتصرف بعقلانية بدلاً من الخضوع لها بجهل.

رابعاً، التركيب (03 نقط)

أثبت النص أن الإرادة الحرة وهم تصنعه الحتميات البيولوجية والنفسية والاجتماعية، وأن ما نسميه اختياراً ليس سوى نتيجة لسلسلة علل لا نراها. وتبقى قيمة هذا الموقف في دعوته إلى تجاوز الأحكام السطحية على السلوك والبحث في جذوره العميقة. غير أن إلغاء الحرية كلياً يُفضي إلى إلغاء المسؤولية وتبرير كل شيء. والأجدر فلسفياً هو القول بأن الإنسان كائن مشروط لا محدد، يخضع لحتميات لكنه يمتلك وعياً يُتيح له معرفتها وتجاوزها. الحرية ليست غياب القيود بل القدرة على الارتفاع فوقها.

الجوانب الشكلية (03 نقط)

تماسك العرض، سلامة اللغة، وضوح الخط، علامات الترقيم.

¹ هولباخ، بول هنري تييري. (1770). نظام الطبيعة. ترجمة عربية. دار الفكر العربي.