السؤال
هل تداخل الذات بالموضوع في العلوم الإنسانية يُعيق موضوعيتها، أم أنه شرط لفهم خصوصيتها؟
مقترح التصحيح
أولاً، الفهم (04 نقط)
تحديد مجال السؤال وموضوعه (01 ن)
يندرج السؤال ضمن مجزوءة المعرفة وتحديداً في إشكالية موضوعية العلوم الإنسانية، هل يُشكّل تداخل الباحث بموضوع بحثه عائقاً أمام الموضوعية العلمية لأنه يُدخل الذاتية والتحيز في نتائج البحث، أم أن هذا التداخل شرط منهجي لا غنى عنه لإدراك المعاني والدوافع التي تُشكّل جوهر الظاهرة الإنسانية؟
إبراز عناصر المفارقة أو التقابل (02 ن)
يحمل السؤال توتراً منهجياً جوهرياً، فالباحث في العلوم الإنسانية ينتمي إلى نفس طبيعة موضوع بحثه وهو ما يُتيح له فهمه من الداخل، ومع ذلك فإن هذا الانتماء ذاته يُعرّض بحثه لتهمة الذاتية والتحيز التي تُقوّض موضوعيته. أداته الأكثر قوة قد تكون عائقه الأكبر، في آنٍ واحد.
صياغة الأسئلة الموجهة (01 ن)
ما تداخل الذات بالموضوع؟ وما الموضوعية العلمية؟ وما الفهم التأويلي؟ وهل يستطيع الباحث في العلوم الإنسانية أن يحقق الحياد التام تجاه موضوعه كما يفعل الفيزيائي تجاه المادة، أم أن انتماءه الإنساني المشترك مع موضوعه هو بالضبط ما يُمكّنه من إدراك ما يعجز عنه كل حياد مصطنع؟
ثانياً، التحليل (05 نقط)
تحليل عناصر الإشكال وأسئلته الأساسية (02 ن)
يفترض السؤال موقفين متقابلين، الأول يرى أن تداخل الذات بالموضوع يُعيق الموضوعية لأن الباحث يحمل قيماً ومعتقدات وانتماءات تُلوّن رؤيته وتجعل نتائجه مشروطة بموقعه لا بالحقيقة، والثاني يرى أن هذا التداخل شرط منهجي لأن الظاهرة الإنسانية تتضمن وعياً وقصداً ومعنى لا يُدركها باحث خارجي بارد بل باحث يستخدم وعيه الإنساني أداةً للفهم.
توظيف المعرفة الفلسفية الملائمة (02 ن)
رأى دوركهايم أن الموضوعية في العلوم الإنسانية تستلزم معاملة الظواهر الاجتماعية كأشياء خارجية والقطيعة التامة مع الأحكام المسبقة والمفاهيم العامية. في المقابل أسّس دلتاي وغادامير لمنهج الفهم التأويلي، فإدراك فعل إنساني كالصلاة أو الحداد يستلزم أن ينطلق الباحث من كونه كائناً واعياً قصدياً مثل المبحوث، وهذا بالضبط ما يجعل التداخل شرطاً للفهم لا عائقاً أمامه. وأضاف باشلار أن الأحكام المسبقة للذات عوائق إبستيمولوجية لكن العلم لا يُلغيها بل يُصحّحها بالنقد المستمر.
البناء الحجاجي الفلسفي (01 ن)
يكشف التحليل أن التداخل ليس بطبيعته عائقاً ولا شرطاً بل يصير أحدهما بحسب طريقة تعامل الباحث معه، فحين يُوظَّف نقدياً ومنهجياً يصير أداة فهم وحين يُترك دون مساءلة يصير مصدر تحيز.
ثالثاً، المناقشة (05 نقط)
مناقشة الأطروحات المفترضة بالسؤال (03 ن)
يُقدّم المدافعون عن موقف دوركهايم حججاً علمية متينة، فالعلوم الإنسانية التي تفتقر إلى الصرامة المنهجية وتُسلّم لتداخل الذات تنتهي إلى انطباعات شخصية لا إلى معرفة قابلة للتعميم والتحقق. وعلم الاجتماع الإحصائي وعلم النفس التجريبي أثبتا أن القطيعة المنهجية مع الذاتية ممكنة ومثمرة في دراسة الظواهر الإنسانية.
غير أن المدافعين عن منهج الفهم يردون بأن الاستجواب الجنائي يُدرك دوافع المتهم لا بالمعادلة الإحصائية بل بقراءة إنسانية تستخدم وعي المحقق أداةً، وأن المؤرخ لا يفهم ثورة إنسانية حقيقية إلا بأن ينفذ إلى دوافع فاعليها من الداخل لا بوصفها حركة ميكانيكية.
فتح إمكانات أخرى للتفكير (02 ن)
يفتح هذا الإشكال أفقاً بنيوياً توفيقياً، إذ اقترح ليفي شتراوس أن الموضوعية في العلوم الإنسانية ممكنة لا بإلغاء الذات ولا بالاستسلام لها بل بالبحث عن البنى اللاواعية العميقة التي تُنظّم السلوك الإنساني بمنطق موضوعي، وهذا يعني أن الموضوعية ليست حياداً عن الإنسان بل عمقاً في فهمه يتجاوز الذاتية السطحية.
رابعاً، التركيب (03 نقط)
أثبت التحليل والمناقشة أن تداخل الذات بالموضوع في العلوم الإنسانية يصير عائقاً حين يُترك دون مساءلة نقدية ويصير شرطاً حين يُوظَّف بوعي منهجي. فالموضوعية في العلوم الإنسانية ليست إلغاء الذات بل ترويضها، والباحث الأكثر موضوعية ليس من يتظاهر بالحياد بل من يُخضع تداخله الذاتي لنقد مستمر يُحوّله من مصدر تحيز إلى أداة فهم. وأرى أن التداخل شرط للانطلاق والنقد الذاتي شرط للوصول.
الجوانب الشكلية (03 نقط)
تماسك العرض، سلامة اللغة، وضوح الخط، علامات الترقيم.