التمرين 04

النص

لا يُولد الإنسان حراً بالمعنى المطلق، يجد نفسه مُلقىً في عالم مُسبق التكوين، محاطاً بقيود اللغة والعادات الاجتماعية والقيم الثقافية والسمات البيولوجية التي تحدد جزءاً من هويته قبل أن يختار أي شيء. ومع ذلك فإن جوهر كينونته لا يكمن في هذه المعطيات بل في قدرته على تجاوزها، فهو ليس مجرد متلقٍ لتأثيرات الخارج بل كائن يُعيد تقييم ما ورثه ويُغيّر مساره ويصنع اختياراته في مواجهة هذه المحددات.

هذه القدرة على التمرد على الجبر وإبداع الذات في عالم محدد سلفاً، هي ما تعنيه الحرية الحقيقية. فالوجود البشري ليس قدراً محتوماً يذعن له الإنسان بسلبية بل فعل خلق مستمر، يُعيد فيه الإنسان بناء نفسه في كل لحظة اختيار حقيقية.

وتاريخ البشرية كله ليس إلا شهادة على هذه الحرية المتجددة، من بساطة العيش البدائي إلى تعقيد الحضارات الحديثة، دفع الإنسان نفسه نحو تحقيق ذاته وبناء عوالم لم تكن موجودة من قبل. لم يكن ذلك ممكناً لو أن الإنسان استسلم لمحدداته، بل كان لأنه تجاوزها.¹

حلل النص وناقشه

مقترح التصحيح

أولاً، الفهم (04 نقط)

تحديد موضوع النص (01 ن)

يتناول النص موضوع الحرية الإنسانية في مواجهة المحددات، هل تنتفي الحرية بوجود القيود البيولوجية والثقافية والاجتماعية التي يجد الإنسان نفسه فيها، أم أن الحرية الحقيقية تتأسس بالضبط من خلال تجاوز هذه القيود لا بغيابها؟

صياغة المفارقة وإبراز الإشكال (02 ن)

تكمن المفارقة في أن الإنسان يجد نفسه مُلقىً في عالم لم يخترْه، بلغة لم يخترها وثقافة لم يُقررها وجسد لم يصمّمه، ومع ذلك يُصرّ على أنه حر ويصنع من هذا الواقع المفروض تاريخاً جديداً. مُلقىً في قيود لم يخترها، وصانع لعوالم لم تكن موجودة، في آنٍ واحد. ومن هنا يبرز الإشكال: الحرية بين المحددات والتجاوز، هل تتحقق الحرية الحقيقية بغياب القيود، أم بالقدرة على تجاوزها وإبداع الذات في مواجهتها؟

صياغة الأسئلة الموجهة (01 ن)

ما الحرية؟ وما المحددات البيولوجية والثقافية والاجتماعية؟ وما التجاوز؟ وهل يكفي وجود القدرة على تجاوز المحددات دليلاً على الحرية الحقيقية، أم أن هذه القدرة ذاتها محكومة بحتميات أعمق لا يستطيع الإنسان الإفلات منها؟

ثانياً، التحليل (05 نقط)

تحديد أطروحة النص وشرحها (02 ن)

تقوم الأطروحة على تعريف جديد للحرية، لا تعني الحرية غياب القيود بل القدرة على تجاوزها. فالإنسان لا يُولد حراً بالمعنى المطلق لكنه يملك جوهراً يُتيح له إعادة تقييم معطياته الأولى وتغيير مساره وصناعة اختياراته في مواجهة ما فُرض عليه. وتاريخ البشرية الحضاري برمّته شاهد على هذه الحرية المتجددة التي دفعت الإنسان نحو بناء عوالم لم تكن موجودة.

تحديد أفكار النص ومفاهيمه والعلاقات بينها (02 ن)

يتضمن النص ثلاثة مفاهيم متشابكة، الإلقاء في العالم الذي يُشير إلى المحددات المسبقة التي تُحيط بالإنسان قبل أن يختار، وفعل التجاوز الذي يُمثّل القدرة على إعادة تقييم هذه المحددات ومقاومتها، والحرية الحقيقية التي تُعرَّف كنتيجة لهذا التجاوز لا كغياب للقيود. وتجمع هذه المفاهيم علاقة جدلية، المحددات لا تنفي الحرية بل تُؤسّسها كتحدٍّ، والحرية لا تعني الانفصال عن الواقع بل إعادة صياغته. ويتصاعد النص من الإقرار بالقيود إلى التأكيد على التجاوز ثم إلى الاستدلال بالتاريخ البشري شاهداً على هذا التجاوز.

تحليل الحجاج المعتمد (01 ن)

يعتمد النص بنية حجاجية تقوم على النفي والإثبات، ينفي أولاً صفة القدر المحتوم عن الوجود البشري، ثم يُثبت صفة فعل الخلق المستمر، ويُميّز بين الخضوع السلبي للمحددات والقدرة الفاعلة على تجاوزها، وينتهي بالاستدلال التاريخي الذي يجعل من مسيرة الحضارة البشرية دليلاً حياً على أطروحته.

ثالثاً، المناقشة (05 نقط)

إبراز قيمة الأطروحة وحدودها (03 ن)

تكمن قيمة هذه الأطروحة في طابعها التحرري والمسؤول، فهي لا تُسقط المسؤولية الأخلاقية بحجة الحتمية، ولا تدّعي حرية مطلقة خارج الواقع. تُعلي من قيمة الإنسان الفاعل الذي يصنع ذاته ويُشكّل تاريخه، وتجعل من الوعي بالمحددات نقطة انطلاق للتحرر لا مبرراً للاستسلام.

غير أن هذه الأطروحة تواجه اعتراضاً حتمياً جوهرياً، فبعض المحددات البيولوجية كالأمراض الوراثية والاضطرابات النفسية العميقة قد تكون عصية على التجاوز الإرادي. فضلاً عن ذلك فإن القدرة على التجاوز ذاتها ليست موزعة بالتساوي بين البشر، إذ تتفاوت بحسب الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي قد تجعل التجاوز امتيازاً لا حقاً مشتركاً.

فتح إمكانات أخرى للتفكير (02 ن)

يتقاطع هذا الموقف مع سارتر الذي يرى أن الإنسان محكوم عليه بالحرية، مُلقىً في عالم لم يخترْه لكنه مسؤول كلياً عما يصنع منه. غير أن الموقف الفرويدي يُضيف تعقيداً ضرورياً، إذ يرى أن التحرر الحقيقي من المحددات يستلزم أولاً الوعي بتأثير اللاوعي على سلوكنا، مما يجعل الحرية مشروعاً يبدأ بمعرفة الذات لا فعلاً إرادياً مباشراً.

رابعاً، التركيب (03 نقط)

أثبت النص أن الحرية الحقيقية لا تعني غياب القيود بل القدرة على تجاوزها، وأن الوجود البشري فعل خلق مستمر يُؤكده تاريخ البشرية الحضاري بكامله. وتبقى قيمة هذا الموقف في جعله الإنسان مسؤولاً فاعلاً لا ضحية سلبية لمحدداته. غير أن التجاوز ليس متاحاً لكل إنسان بالدرجة ذاتها، فالحرية الحقيقية تستلزم شرطين متلازمين: الوعي بالمحددات أولاً، والعمل الإرادي الواعي لتجاوزها ثانياً. والأجدر فلسفياً هو القول بأن الحرية ليست وضعاً نمتلكه بل مشروعاً لا يتوقف، نصنعه كل يوم في مواجهة كل ما يُريد أن يصنعنا.

الجوانب الشكلية (03 نقط)

تماسك العرض، سلامة اللغة، وضوح الخط، علامات الترقيم.

¹ سارتر، جون بول. (1945). الوجودية مذهب إنساني. ترجمة عربية. دار الآداب.